الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
186
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وأما موقعها هنا فيتعين أن يكون سبب نزولها حدث حين نزول الآية التي قبلها . والكلام رد وتعليم بأن تعدد الأسماء لا يقتضي تعدد المسمى ، وشتان بين ذلك وبين دعاء المشركين آلهة مختلفة الأسماء والمسميات ، والتوحيد والإشراك يتعلقان بالذوات لا بالأسماء . و ( أي ) اسم استفهام في الأصل ، فإذا اقترنت بها ( ما ) الزائدة أفادت الشرط كما تفيده كيف إذا اقترنت بها ( ما ) الزائدة . ولذلك جزم الفعل بعدها وهو تَدْعُوا شرطا ، وجيء لها بجواب مقترن بالفاء ، وهو فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى . والتحقيق أن فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى علة الجواب . والتقدير : أي اسم من أسمائه تعالى تدعون فلا حرج في دعائه بعدة أسماء إذ له الأسماء الحسنى وإذ المسمى واحد . ومعنى ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ ادعوا هذا الاسم أو هذا الاسم ، أي اذكروا في دعائكم هذا أو هذا ، فالمسمى واحد . وعلى هذا التفسير قد وقع تجوز في فعل ادْعُوا مستعملا في معنى اذكروا أو سموا في دعائكم . ويجوز أن يكون الدعاء مستعملا في معنى سمّوا ، وهو حينئذ يتعدى إلى مفعولين . والتقدير : سموا ربكم اللّه أو سموه الرحمن ، وحذف المفعول الأول من الفعلين وأبقي الثاني لدلالة المقام . وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا لا شك أن لهذه الجملة اتصالا بجملة قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ يؤيد ما تقدم في وجه اتصال قوله : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ بالآيات التي قبله ، فقد كان ذلك بسبب جهر النبي صلى اللّه عليه وسلّم في دعائه باسم الرحمن . والصلاة : تحتمل الدعاء ، وتحتمل العبادة المعروفة وقد فسرها السلف هنا بالمعنيين . ومعلوم أن من فسر الصلاة بالعبادة المعروفة فإنما أراد قراءتها خاصة لأنها التي توصف بالجهر والمخافتة . وعلى كلا الاحتمالين فقد جهر النبي صلى اللّه عليه وسلّم بذكر الرحمن ، فقال فريق من المشركين : ما الرحمن ؟ وقالوا : إن محمدا يدعو إلهين ، وقام فريق منهم يسب القرآن ومن جاء به ، أو يسب الرحمن ظنا أنه رب آخر غير اللّه تعالى وغير آلهتهم ، فأمر اللّه رسوله أن لا يجهر